أبي منصور محمد بن أحمد الأزهري

المقدمة 13

تهذيب اللغة

بعضه من العرب المعاصرين لهم . وكانوا شديدي الاحتياط في هذه الناحية إلى حد الإفراط . فكانوا يتحاشون الأخذ ممن تشوب عربيته أية شائبة . ولذلك أخذوا كثيرا مما أخذوه عن عرب البادية لفصاحة ألسنتهم وبعد لهجاتهم عن التأثر باللغات الأعجمية وعزلتهم وقلة احتكاكهم بغيرهم . فكانوا يترقبون مجيء أعراب البادية إلى المدن في التجارة أو غيرها ، فيستمعون إلى حديثهم ويناقشونهم في مختلف شؤون اللغة ، ويدونون من فورهم كل ما يهديهم إليه هذا الحديث وترشدهم إليه هذه المناقشة بصدد مفردات اللغة ودلاتها ووجوه استخدامها . وكانوا يتبعون أحيانا ما يسميه علماء اللغة « الملاحظة السلبية » فيرحلون إلى البادية ويقضون فيها بين ظهراني الأعراب مدة طويلة ، يعاشرونهم ويستمعون إليهم في أحاديثهم الطبيعية ويدونون ما يقفون عليه في هذا السبيل من مفردات وصيغ وأساليب « 1 » . وما اتخذوه من وسائل الاحتياط حيال القبائل والأمكنة اتخذوا مثله حيال الأزمنة والعصور . فلم يأخذوا إلا عن العصور التي كان اللسان العربي فيها سليما لم يصبه بعد تبلبل أعجمي ولا انحراف عن أوضاح اللغة الفصحى . ولذلك لم يأخذوا إلا عن عرب الجاهلية والإسلام إلى نهاية القرن الثاني الهجري بالنسبة إلى فصحاء الحضر ، وإلى أواسط القرن الرابع بالنسبة إلى فصحاء البادية . وسموا هذه العصور « عصور الاحتجاج » وأهملوا ما عداها مبالغة في الدقة وحرصا على تحري وجوه الصدق واليقين . « 1 » ( ما يوجه من مآخذ إلى المعجمات العربية في مجموعها : ولكن على الرغم من الوسائل السابق ذكرها التي اتخذها أصحاب المعجمات العربية في شؤون التوثيق والحرص على تحري الحقيقة ، فإنه يوجه إلى معجماتهم وطرائقهم مآخذ كثيرة يرجع أهمها إلى ما يلي : 1 - أن أصحاب المعجمات قد أخذوا أحيانا بعض موادهم عن أشعار جاهلية ثبت فيما بعد أنها موضوعة ، فلا يبعد أن يكون بعض مفرداتها من اختراع الواضعين . 2 - أنهم يأخذون أحيانا بعض موادهم من الكتب والصحف ، فحدث من جراء ذلك

--> ( 1 ) انظر في ذلك : أبا نصر الفارابي في كتابه « الألفاظ والحروف » والسيوطي في كتابه « المزهر » ( 1 / 104 ) ، وابن خلدون في مقدمته ( 3 / 1279 ، 1280 ) طبعة دار نهضة مصر . تحقيق الدكتور علي عبد الواحد وافي ، و « فقه اللغة » للدكتور علي عبد الواحد وافي ، الطبعة الثامنة الصفحات : 170 ، 171 .